محمد حسين هيكل
335
حياة محمد ( ص )
بالإثم ، تتنزّه نفوسهم عن الحسد وعن الخديعة وعن لغو القول وعن كل منقصة . وهذه الصفات والأخلاق التي يقوم عليها أدب النفس ويهذّب الخلق على مقتضاها ، إنما تستند - كما قدّمنا - إلى النظام الروحي الذي نزل به القرآن والذي يتصل بالإيمان باللّه . وهذا هو الأمر الجوهريّ فيها . وهذا هو ما يكفل تمكن هذا النظام الخلقي من النفس وبقاءه مطهّرا من كل دنس ، بعيدا عن أن تتسرّب إليه أسباب تفسده . فالأخلاق التي تقوم على أساس من المنفعة وتبادلها يسرع إليها الضعف ما اطمأنت إلى أن هذا الضعف لا يجرّ على منافعها أذى . وهذه الأخلاق القائمة على تبادل المنفعة يغلب في صاحبها أن يكون باطنه غير ظاهره ، ومكنون أمره غير ما يبدو للناس به ، فهو يصطنع الأمانة وليس ما يمنعه أن يتخذها ذريعة لتصيّد المنافع . وهو يتظاهر بالصدق ، ولا يصدّه عن مجافاته شيء ما كان في مجافاته جلب منفعة له . أخلاق ذلك ميزانها ما أسرع ما يضعف صاحبها أمام المغريات ، وما أسرع ما يجري وراء الأهواء والغايات ! وهذا الضعف هو الظاهرة البادية للعيان في عالمنا الحاضر . فما أكثر ما يسمع الناس بفضائح تقع في بلد أو في آخر من بلاد العالم المتحضّر ، سببها الحرص على المال وعلى السلطان أكثر من الحرص على الخلق الكريم وعلى الإيمان الصادق . وكثيرون من هؤلاء الذين ينحدرون إلى مهاوي هذه الماسي الخلقية والذين يرتكبون أتعس الجرائم ، تراهم أوّل أمرهم على خلق كريم ، لكن المنفعة كانت أساس هذا الخلق . كانوا يرون النجاح في الحياة رهنا بالاستقامة ، فاستقاموا لينجحوا ، لا لأن الاستقامة متصلة بعقيدتهم ؛ فهم يقفون عند حدودها ولو جنت عليهم . فلمّا رأوا الاستهانة بالاستقامة بعض أسباب النجاح في حضارة هذا العصر استهانوا بها . ومنهم من يظلّ أمره مستورا عن الناس ، فلا تناله الفضيحة وسيظل مرموقا بعين الإكبار ، ومنهم من ينكشف أمره فيفتضح وتصل به الفضيحة إلى الانتحار أحيانا . بناء النظام الخلقي على المنفعة يعرّضه ، إذا ، لهذا البلاء ما بين حين وحين . أمّا بناؤه على هدى النظام الرّوحيّ على نحو ما نزل به القرآن ، فهو الكفيل ببقائه متينا لا يتسرّب إليه وهن . فالنية التي يصدر العمل عنها هي قوام هذا العمل والمقياس الذي يجب أن يقاس به . والرجل الذي يشتري ورقة نصيب لبناء مستشفى من المستشفيات لا يشتريها بنية فعل الخير وبقصد الإحسان ، بل يشتريها طمعا في الربح . والرجل الذي يعطي لأن سائلا ألحف عليه في المسألة فأراد التخلص منه ، ليس كمن يعطي من تلقاء نفسه أولئك الذين لا يسألون الناس إلحافا يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . والرجل الذي يقول الحق للقاضي مخافة عقاب القانون لشاهد الزور ، ليس كمن يقول الحق لأنه يؤمن بفضيلة الصدق . ولن تكون الأخلاق التي تقوم على أساس المنفعة وتبادلها في متانة الأخلاق التي يؤمن صاحبها بأنها متصلة بكرامته الإنسانية ، متصلة بإيمانه باللّه ، قائمة في نفسه على الأساس الروحي الذي يقوم عليه الإيمان باللّه . حكمة تحريم الخمر والميسر وقد حرص القرآن على أن يظلّ حكم العقل سليما ، لا يتسرّب إليه ما يؤثر في حسن تصوّره الإيمان والخلق . لذلك اعتبر الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان ؛ ولئن كان فيها منافع للناس لإثمهما أكبر من نفعهما ، ومن ثمّ وجب اجتنابهما . فالميسر يصرف ذهن المقامر عما سواه ، ويستنفد من وقته ويغريه بما يلهيه عن موجب الخلق الفاضل . والخمر تذهب العقل والمال على حدّ تعبير عمر بن الخطاب حين دعا أن يبيّن اللّه فيها . وطبيعي أن يضلّ حكم العقل إذا ذهب أو تغيّر ، وأن يهوّن ضلاله على صاحبه مؤاتاة الدنيّة بدل أن يسمو عن أن يمرّ به طيف الفاحشة .